الخميس، 9 أبريل 2026

كنت في الجنه قبل أن أولد

*كنت في الجنه قبل أن أولد*

قبل أن أحمل اسمًا،
وقبل أن تتشكل ملامحي، وقبل أن أخطو أول خطوة على تراب هذه الأرض…
كان لي حضورٌ في قصةٍ أقدم من الذاكرة، وأعمق من الزمن.
هناك، في أفق الغيب البعيد، حيث لا مكان ولا زمان، كنتُ هناك. قبل أن يكسوني الاسم، وقبل أن تصوغني الأقدار بهذه الملامح، وقبل أن أخطو على هذا التراب بكيانٍ بشري يلهث وراء السراب، كنتُ هناك... في الجنة. لا كساكنٍ يقطف من ثمارها، بل كذرة نور في مشهد الخلود الأول، في ذلك الموقف المهيب الذي جمع بني آدم في عالم الذر .. عالم الميثاق.

نعم، بطريقة ما كنت هناك. هناك حيث وقفت الأرواح بين يدي خالقها، في مشهد يفيض بالجلال والجمال، مشهد الميثاق الغليظ الذي يربط السماء بالأرض، ويربط الإنسان بربه برباط لا ينفصم. يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: 172].

هذه الآية ليست مجرد خبرٍ عابر، بل هي صرخة الوجود الأولى، همس الأزل في أذن الأبد. إنها الحقيقة التي تسبق كل الحقائق، والشهادة التي تطبع في روح الإنسان بصمة اليقين: أن الله ربه، وأنه لم يُخلق سدى، ولم يأت إلى هذه الحياة هباءً. هناك، في ذلك المحضر الرباني، شهدنا على أنفسنا، ونطقنا بلسان الفطرة الذي لا يعرف التلعثم: "بلى، شهدنا".

ثم بدأت الرحلة المقدسة. رحلة الهبوط المقنن، والتدريج المحكم، من عالم الأرواح إلى عالم الأجساد. رحلة التنقل في أصلاب الرجال وأرحام النساء، كالقطرة تسيل في مسارب الأرض حتى تفجرها ينبوع حياة. إنها رحلة التكوين التي لا يعلم تفاصيلها إلا من أبدعها. يقول تعالى ممتناً على الإنسان بنعمته: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۝ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ۝ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8].

هذا التساؤل الإلهي ليس استفهاماً عن جهل، بل هو استنكار محب، وتذكير عطوف: أيها الإنسان، كيف تغرك الدنيا، وأنت صنعة الكريم؟ كيف تلهيك الأعراض، وقد صورك الرحمن في أحسن تقويم؟ إنها دعوة دائمة للعودة إلى الذات، إلى تلك النقطة المضيئة التي لا تزال تحتفظ بوهج الميثاق الأول.
فكل صلاةٍ هي تذكير بذلك اللقاء القديم.
وكل دعاءٍ هو صدى لذلك الاعتراف الأول.
وكل دمعةٍ في لحظة صدق هي محاولة روحٍ أن تتذكر طريقها إلى الله.
لكن ضجيج الدنيا كثير…
والنسيان أحد طبائع البشر.
لهذا يذكّرنا القرآن مرارًا بأن الإنسان قد ينسى ما شهد عليه:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾.

فالوجود الإنساني إذن ليس صدفة عمياء، وليس لعبة عبث تقذفها الأيام ثم تبتلعها. إنه مسيرة قصيرة ولكنها ثقيلة بالمسؤولية، رحلة بين جنتين: جنة الميثاق التي بدأ منها أصل الحكاية، وجنة الخلد التي نأمل أن تكون منتهى الرجاء والغاية. كل ما بينهما هو اختبار، امتحان للذاكرة والقلب.

الدنيا، بضوضائها وأحزانها وأفراحها، تحاول أن تنسينا ذلك العهد القديم. تحاول أن تشوش على القلب ذكراه الأولى، فتراه يتعلق بزخرفها الفاني، وينسى أنه كان في الأزل شاهداً على الحق الباقي. لكن في أعماق كل إنسان، يبقى ذلك الميثاق كالجذوة تحت الرماد، تنتظر نسمة إيمان لتشتعل من جديد. كل آية في القرآن، كل صلاة خاشعة، كل دمعة تائقة، ما هي إلا همسات تستحضر في الروح ذلك المشهد: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، فتردد الروح بصدق: ﴿قَالُوا بَلَىٰ﴾.

فيا أيها السائر على هذا الطريق، لا تنس. لا تنس من أنت، ولا من أين أتيت. لا تدع زينة الحياة الدنيا تخدعك عن جوهرك النقي الذي شهد لله بالوحدانية قبل أن ترى النور. أنت تحمل في صميم فطرتك كتاباً مختوماً، وعهداً موثقاً.

اللهم اجعل ختام رحلتنا عودةً إلى الجنة، عودة من يفي بالعهد ولا ينساه، عودة الأرواح التي ظفرت في الامتحان، فرددت شهادتها مرة أخرى، ليس في عالم الذر فحسب، بل في عالم الخلد والنعيم المقيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين وهْم الوصول وحقيقة التوازن

بين وهْم الوصول وحقيقة التوازن في زحمة الحياة، حيث تتناوب الأيام بين صعودٍ يبعث على الزهو، وهبوطٍ يختبر المعادن، يظل الاتزان هو الفضيلة الأن...