تتبدّى مشاعر الإعجاب في مسرح العلاقات الإنسانية كنسيمٍ عليل، يبعث في النفس نشوةً غامرة وارتياحاً دافئاً؛ فهو في ظاهره احتفاءٌ نبيل بما يفيض به الآخرون من بهاءٍ أو منجز. بيد أن هذا الشعور، متى ما جاوز حدّ الاعتدال، أو افتقر إلى بوصلة الاتزان الداخلي، قد يحمل في أحشائه نقيضه، ليغدو بذرةً لانقلابٍ دراميّ لم يكن في الحسبان.
كثيرًا ما تأسرنا البدايات، فنقف مشدوهين أمام سطوة الحضور، أو شموخ النجاح، أو سحر الأثر الذي يتركه بعض العابرين في حياتنا. غير أن هذا الانبهار الآسر لا ينبثق دائماً من ينبوع الصفاء الخالص؛ إذ تتوارى خلفه، في أحيانٍ كثيرة، مقارناتٌ صامتة ومحاكماتٌ خفية، يعقدها المرء في قاع روحه بين ما يملكه هو، وبين ما يتلألأ في يدي من يُعجب به.
وعلى مهلٍ، تتبدل الفصول في قلب المُعجَب. فما كان بالأمس يثير في عينيه بريق الدهشة، يغدو اليوم مصدرًا لغصةٍ مكتومة. ذلك التفوق الذي كان يُستقبل بعواصف التصفيق، يستحيل ثقلاً يرزح على صدر نفسٍ أدركت عجزها عن اللحاق بركب المُلهِم. هنا، تشتعل شرارة الصراع الداخلي، وتئن الروح تحت وطأة العجز عن استيعاب مقاماتٍ لا تقوى على بلوغها.
وحين تتطاول أيام هذا الاستلاب دون أن تدرك النفس مرفأ التوازن، يختمر الإعجاب ليتحول إلى سمّ حسدٍ زُعاف ينهش في الخفاء. عند تلك الحافة، تنقلب المحاسن التي كانت تُتلى كقصائد مديح، إلى مثالب تُثير الحنق. فيندفع البعض – في غمرة من الوعي أو في غيابة من اللاوعي – نحو تهشيم تلك الأيقونة التي شيدوها بأنفسهم؛ يبخسون حقها، أو يلطخون نقاء صورتها، أو يزرعون الشوك في دروبها، في مسعى بائس لإطفاء ذلك النور الذي فضح عتمتهم يوم أشرق في أعينهم أول مرة.
إن النفس الإنسانية، في هشاشتها وتناقضاتها، كثيرًا ما تستوحش الوقوف في ظلال من يفوقها طولاً. ولذا، فإن ومضة الانبهار الصادق، إن لم تُسقَ بماء الوعي وتُهذّب بحكمة النضج، قد تنتهي بمأساةٍ تحاول فيها الأيدي المرتجفة إخماد الوهج الذي تجرأ وكشف لها عن حدود ضآلتها.
> من هنا، يتجلى الإعجاب السويّ كطائرٍ حر؛ لا يقع في فخ المقارنة، بل يُحلق في سماء الإلهام.
إنه ذلك الدافع النبيل الذي يجعل من نجاح الآخرين معراجاً للارتقاء، لا حطباً لنيران الغيرة. فمتى ما تشرّب الإنسان حكمة أن يُجِلّ فرادة الآخرين دون أن ينتقص من قدر نفسه، تحولت ساحات العلاقات من خنادق لمعارك خفية، إلى فضاءاتٍ رحبة يتكامل فيها الجمال، وتنمو فيها الأرواح في أمان.
©AI_Generated
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق