> بعض الناس ابتسموا… لأنهم نجوا من حروب لا يعرفها أحد.
ثمة أرواحٌ تشبه الذهب النقي، لا تزيدها نيران التجارب إلا صفاءً وبهاءً. بين جموع البشر، تصادف أحياناً أولئك الذين ساروا حفاةً على جمر الأيام، وعبروا أودية الشقاء والفوضى، غير أنهم خرجوا من رحم المعاناة محتفظين بندى قلوبهم ورقة إنسانيتهم ووقار اتزانهم. هؤلاء ليسوا مجرد عابرين، بل هم آياتٌ تمشي على الأرض؛ إذ إن الحفاظ على طهارة الروح بعد أن تعصف بها أنواء الحياة، لهو انتصارٌ عظيم لا يفقه جلاله إلا من ذاق مرارة الدرب وحرقة المسير.
إن ساقتك الأقدار إلى محراب إنسانٍ كهذا، فادخل إليه بخطى العارف المتأدب، وتعامل مع قلبه كأمانةٍ نفيسة. فما نحتته الأيام في روحه جعله بصيراً بجوهر الوفاء، ومدركاً لقداسة الكرامة، ومستميتاً في الذود عما يحب. إنّ سلامه الداخلي لم يأتِ من فراغ، بل هو خيارٌ شجاع وقرارٌ واعٍ؛ لقد آثر السكينة لا لجهله بضجيج الفوضى، بل لأنه التهم نيرانها وخرج منها بنضجٍ عميق، فنطق رماده بالحكمة.
ولا يغرنك هدوء ملامحهم، فبأسهم لا يكمن في ثرثرة الألسن، بل في صمتٍ مهيبٍ وسكينةٍ راسخة. لقد ابتلعوا غصص الألم دون أن يوقظوا أحداً بآهاتهم، وما زالوا ينثرون في أروقة الحياة أنقى ما جادت به الفطرة من رحمة، وصدق، ونقاء سريرة. وتلك خصالٌ لا تنبت في الحدائق الوارفة السهلة، بل تتفتح كشقائق النعمان في أراضٍ قاحلة، سقيت بدمع التجارب المريرة.
من هنا، يغدو إجلال هذه الأرواح فرضاً تمليه المروءة وتوجبه الإنسانية. هم سادة الانكسار الذين لم يثنهم تحطمهم عن إهداء الكون جبرهم وتسامحهم. لا تنظر إلى ندوبهم كعلامات وهن، بل كأوسمة شرف لمعارك طاحنة خاضوها في غياهب الصمت مع أنفسهم ومع صروف الدهر. لقد أينعوا وكبروا من خلال نجاتهم من أهوالٍ لا تنطق بها شفاههم، لكنها صاغت من أرواحهم تحفاً من الحكمة البالغة.
وحين يمنحك هؤلاء حبهم، فهو حبٌ لا يعرف التردد، راسخٌ كالجبال ومخلصٌ كالشمس في شروقها. فإياك أن تستخف بهذا العطاء أو تظنه حقاً مكتسباً ووداً مضموناً؛ فوداعتهم ليست استكانة، وصبرهم ليس قلة حيلة، بل هو ترفع العظماء وحكمة المجرّبين.
إنّ خير ما تقدمه لروحٍ نجت من الجحيم، هو أن تقف إجلالاً لرحلة تعافيها، وأن تحترم ندوبها. فالحياة، في جوهرها، ليست مضماراً نسبق فيه بعضنا البعض، بل رحلةٌ نتقاسم فيها زاد الطريق. ومن انتزع إنسانيته من فم الألم سالماً، حريٌّ به أن يجد من يرافقه الدرب بصدق.. خطوةً بخطوة، كتفاً بكتف؛ لا متقدماً عليه بخيلاء، ولا متأخراً عنه بخذلان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق