حين تعجز عن فهم السياسة، وتغدو الأوضاع العامة ضبابية في نظرك، ولا تعرف كيف تُحلِّل المعطيات أو تُفسِّر الأحداث التي تجري أمام عينيك، فتلوذ تلقائيًا باتهام الآخرين، وتختبئ خلف شماعة “نظرية المؤامرة”، وتُقنع نفسك بأن العالم كله متآمر، وأن كل ما يجري تديره حفنة من الفاسدين واللصوص؛ فالمشكلة هنا ليست في الواقع، بل فيك أنت.
فهم السياسة والاقتصاد ليس أمرًا فطريًا ولا موهبة عشوائية، بل علمٌ وخبرة وتراكم معرفة. وعندما يصبح تفسير الواقع السياسي والاقتصادي عسيرًا عليك، ويستحيل التنبؤ بمساراته في ذهنك، فذلك لأنك لست سياسيًا، ولا اقتصاديًا، ولا تمتلك أدوات التحليل التي تخوّلك الخوض في هذه العوالم المعقّدة.
المشكلة الحقيقية أنك لا تفهم، ومستواك المعرفي ضعيف في السياسة، والاقتصاد، والدبلوماسية، والحروب، والعلاقات الدولية، ومع ذلك تصرّ على لعب دور “المحلل الاستراتيجي”. تقرأ الأخبار، تشاهد الأحداث، ثم تظن أن هذا وحده يكفي لفك رموزها واستنتاج مآلاتها. والحقيقة أن الأمر أعمق بكثير من مجرد متابعة عناوين أو مقاطع سريعة.
ليس كل من قرأ خبرًا أصبح خبيرًا، ولا كل من شاهد حدثًا صار محللًا. التحليل يحتاج أدوات، ومعرفة بالسياق، وفهمًا للتاريخ، وإدراكًا لتشابك المصالح، وليس مجرد انفعال أو رأي عابر.
لذلك، قدرُك الطبيعي – إن لم تمتلك هذه الأدوات – أن تكون شاهدًا على الأحداث، لا مفسرًا لها. اقرأ الأخبار، تابع ما يجري، لكن دع التحليل والاستنتاج والتنبؤ بالمستقبل لأهله، للمختصين الذين قضوا أعمارهم في الفهم والدراسة. والاعتراف بحدود المعرفة ليس ضعفًا، بل أول خطوة نحو الوعي.