السبت، 7 مارس 2026

من سكرة الإعجاب إلى رماد العداوة

*من سكرة الإعجاب إلى رماد العداوة*

تتبدّى مشاعر الإعجاب في مسرح العلاقات الإنسانية كنسيمٍ عليل، يبعث في النفس نشوةً غامرة وارتياحاً دافئاً؛ فهو في ظاهره احتفاءٌ نبيل بما يفيض به الآخرون من بهاءٍ أو منجز. بيد أن هذا الشعور، متى ما جاوز حدّ الاعتدال، أو افتقر إلى بوصلة الاتزان الداخلي، قد يحمل في أحشائه نقيضه، ليغدو بذرةً لانقلابٍ دراميّ لم يكن في الحسبان.

كثيرًا ما تأسرنا البدايات، فنقف مشدوهين أمام سطوة الحضور، أو شموخ النجاح، أو سحر الأثر الذي يتركه بعض العابرين في حياتنا. غير أن هذا الانبهار الآسر لا ينبثق دائماً من ينبوع الصفاء الخالص؛ إذ تتوارى خلفه، في أحيانٍ كثيرة، مقارناتٌ صامتة ومحاكماتٌ خفية، يعقدها المرء في قاع روحه بين ما يملكه هو، وبين ما يتلألأ في يدي من يُعجب به.

وعلى مهلٍ، تتبدل الفصول في قلب المُعجَب. فما كان بالأمس يثير في عينيه بريق الدهشة، يغدو اليوم مصدرًا لغصةٍ مكتومة. ذلك التفوق الذي كان يُستقبل بعواصف التصفيق، يستحيل ثقلاً يرزح على صدر نفسٍ أدركت عجزها عن اللحاق بركب المُلهِم. هنا، تشتعل شرارة الصراع الداخلي، وتئن الروح تحت وطأة العجز عن استيعاب مقاماتٍ لا تقوى على بلوغها.

وحين تتطاول أيام هذا الاستلاب دون أن تدرك النفس مرفأ التوازن، يختمر الإعجاب ليتحول إلى سمّ حسدٍ زُعاف ينهش في الخفاء. عند تلك الحافة، تنقلب المحاسن التي كانت تُتلى كقصائد مديح، إلى مثالب تُثير الحنق. فيندفع البعض – في غمرة من الوعي أو في غيابة من اللاوعي – نحو تهشيم تلك الأيقونة التي شيدوها بأنفسهم؛ يبخسون حقها، أو يلطخون نقاء صورتها، أو يزرعون الشوك في دروبها، في مسعى بائس لإطفاء ذلك النور الذي فضح عتمتهم يوم أشرق في أعينهم أول مرة.

إن النفس الإنسانية، في هشاشتها وتناقضاتها، كثيرًا ما تستوحش الوقوف في ظلال من يفوقها طولاً. ولذا، فإن ومضة الانبهار الصادق، إن لم تُسقَ بماء الوعي وتُهذّب بحكمة النضج، قد تنتهي بمأساةٍ تحاول فيها الأيدي المرتجفة إخماد الوهج الذي تجرأ وكشف لها عن حدود ضآلتها.

> من هنا، يتجلى الإعجاب السويّ كطائرٍ حر؛ لا يقع في فخ المقارنة، بل يُحلق في سماء الإلهام.

 إنه ذلك الدافع النبيل الذي يجعل من نجاح الآخرين معراجاً للارتقاء، لا حطباً لنيران الغيرة. فمتى ما تشرّب الإنسان حكمة أن يُجِلّ فرادة الآخرين دون أن ينتقص من قدر نفسه، تحولت ساحات العلاقات من خنادق لمعارك خفية، إلى فضاءاتٍ رحبة يتكامل فيها الجمال، وتنمو فيها الأرواح في أمان.

©AI_Generated

أزهار الرماد ..

*أزهار الرماد..*
> بعض الناس ابتسموا… لأنهم نجوا من حروب لا يعرفها أحد.

ثمة أرواحٌ تشبه الذهب النقي، لا تزيدها نيران التجارب إلا صفاءً وبهاءً. بين جموع البشر، تصادف أحياناً أولئك الذين ساروا حفاةً على جمر الأيام، وعبروا أودية الشقاء والفوضى، غير أنهم خرجوا من رحم المعاناة محتفظين بندى قلوبهم ورقة إنسانيتهم ووقار اتزانهم. هؤلاء ليسوا مجرد عابرين، بل هم آياتٌ تمشي على الأرض؛ إذ إن الحفاظ على طهارة الروح بعد أن تعصف بها أنواء الحياة، لهو انتصارٌ عظيم لا يفقه جلاله إلا من ذاق مرارة الدرب وحرقة المسير.
إن ساقتك الأقدار إلى محراب إنسانٍ كهذا، فادخل إليه بخطى العارف المتأدب، وتعامل مع قلبه كأمانةٍ نفيسة. فما نحتته الأيام في روحه جعله بصيراً بجوهر الوفاء، ومدركاً لقداسة الكرامة، ومستميتاً في الذود عما يحب. إنّ سلامه الداخلي لم يأتِ من فراغ، بل هو خيارٌ شجاع وقرارٌ واعٍ؛ لقد آثر السكينة لا لجهله بضجيج الفوضى، بل لأنه التهم نيرانها وخرج منها بنضجٍ عميق، فنطق رماده بالحكمة.
ولا يغرنك هدوء ملامحهم، فبأسهم لا يكمن في ثرثرة الألسن، بل في صمتٍ مهيبٍ وسكينةٍ راسخة. لقد ابتلعوا غصص الألم دون أن يوقظوا أحداً بآهاتهم، وما زالوا ينثرون في أروقة الحياة أنقى ما جادت به الفطرة من رحمة، وصدق، ونقاء سريرة. وتلك خصالٌ لا تنبت في الحدائق الوارفة السهلة، بل تتفتح كشقائق النعمان في أراضٍ قاحلة، سقيت بدمع التجارب المريرة.
من هنا، يغدو إجلال هذه الأرواح فرضاً تمليه المروءة وتوجبه الإنسانية. هم سادة الانكسار الذين لم يثنهم تحطمهم عن إهداء الكون جبرهم وتسامحهم. لا تنظر إلى ندوبهم كعلامات وهن، بل كأوسمة شرف لمعارك طاحنة خاضوها في غياهب الصمت مع أنفسهم ومع صروف الدهر. لقد أينعوا وكبروا من خلال نجاتهم من أهوالٍ لا تنطق بها شفاههم، لكنها صاغت من أرواحهم تحفاً من الحكمة البالغة.
وحين يمنحك هؤلاء حبهم، فهو حبٌ لا يعرف التردد، راسخٌ كالجبال ومخلصٌ كالشمس في شروقها. فإياك أن تستخف بهذا العطاء أو تظنه حقاً مكتسباً ووداً مضموناً؛ فوداعتهم ليست استكانة، وصبرهم ليس قلة حيلة، بل هو ترفع العظماء وحكمة المجرّبين.
إنّ خير ما تقدمه لروحٍ نجت من الجحيم، هو أن تقف إجلالاً لرحلة تعافيها، وأن تحترم ندوبها. فالحياة، في جوهرها، ليست مضماراً نسبق فيه بعضنا البعض، بل رحلةٌ نتقاسم فيها زاد الطريق. ومن انتزع إنسانيته من فم الألم سالماً، حريٌّ به أن يجد من يرافقه الدرب بصدق.. خطوةً بخطوة، كتفاً بكتف؛ لا متقدماً عليه بخيلاء، ولا متأخراً عنه بخذلان.

بين وهْم الوصول وحقيقة التوازن

بين وهْم الوصول وحقيقة التوازن في زحمة الحياة، حيث تتناوب الأيام بين صعودٍ يبعث على الزهو، وهبوطٍ يختبر المعادن، يظل الاتزان هو الفضيلة الأن...