بين وهْم الوصول وحقيقة التوازن
في زحمة الحياة، حيث تتناوب الأيام بين صعودٍ يبعث على الزهو، وهبوطٍ يختبر المعادن، يظل الاتزان هو الفضيلة الأندر، والوعي هو البوصلة الأكثر صدقًا. فليست المحنة وحدها ما يكشف حقيقتنا، بل النعمة أيضًا؛ إذ كم من إنسان صبر عند الشدة، ثم اختلّ ميزانه حين انفتحت له أبواب النجاح، فظنّ أن وصوله نهاية الطريق، لا بدايته.
إن من أخطر الأوهام أن يعتقد المرء أن الاستقرار دائم، أو أن المكانة التي بلغها حصنٌ لا يُهدم. فالحياة، في جوهرها، حركة لا تهدأ، وتحوّل لا يعرف الثبات. ما يُمنح اليوم قد يُسترد غدًا، وما يُشاد به في لحظة قد يُنسى في التي تليها. ولعل أكثر ما يضلل الإنسان هو النجاح حين يأتي سريعًا، أو الاعتراف حين يتكاثر، أو النفوذ حين يتسع؛ إذ يهمس له الزهو بأنه قد بلغ القمة، وأن لا شيء بعدها سوى البقاء.
غير أن الحقيقة – مهما تأخر ظهورها – تظل واحدة: لا شيء يدوم. فقد شهد التاريخ، قديمه وحديثه، أناسًا صعدوا بلمح البصر، وتصدروا المشهد بثقة لافتة، ثم ما لبثوا أن غابوا بصمتٍ أشد وقعًا من ضجيج حضورهم. رأينا وجوهًا تلمع في السماء، ثم تأفل، لا لضعفٍ في القدرات بالضرورة، بل لاختلالٍ في التوازن، وغرورٍ أعمى البصيرة، ونسيانٍ لحقيقة أن الفضل ليس ذاتيًا خالصًا، بل توفيق يُعطى ويُمنع.
إن الاتزان لا يعني الخوف، كما أن التواضع لا يعني الانكسار. بل هو وعيٌ عميق بأن الإنسان، مهما علا، يظل جزءًا من منظومة أوسع، وخاضعًا لقوانين لا تستثني أحدًا. هو إدراك صامت بأن النعمة أمانة، وأن المكانة مسؤولية، وأن النجاح لا يُقاس بما نبلغه، بل بكيفية بقائنا بشرًا أسوياء بعدما نبلغه.
ولهذا، فإن شكر النعمة ليس لفظًا يُقال، بل سلوكًا يُمارس. أن تأخذ ما في حياتك من خير بامتنان لا بغرور، وأن تنسب الفضل إلى الله أولًا، ثم إلى الجهد المشترك، والظروف، والداعمين الذين ربما لم تُسلط عليهم الأضواء. وأن تمضي قدمًا بحذر الحكيم، لا باندفاع المطمئن زيفًا. فالحذر هنا ليس ضعفًا، بل احترام لطبيعة الحياة المتقلبة، وإقرار ضمني بحاجتنا الدائمة إلى المراجعة والتقويم.
كم هو دقيق ذلك الحد الفاصل بين الثقة والغرور. فالأولى تُنمّي العمل، وتُشجّع على التعلم، وتفتح باب التطور المستمر. أما الثاني، فيغلق الأذن عن النصيحة، ويعمي العين عن الأخطاء، ويجعل صاحبه يظن أن ما وصل إليه حقٌ مكتسب لا يمكن سلبه. وفي تلك اللحظة تحديدًا، لحظة الشعور بأننا “وصلنا”، تبدأ أولى علامات اختلال التوازن؛ إذ يتوقف السؤال، ويخفت الشغف، ويتآكل الانتباه.
ولا مكان دائم لأحد في هذه الحياة، كما لا وجود لإنسان لا يُستغنى عنه. هذه حقيقة قاسية في ظاهرها، لكنها من أصدق ما يحفظ للإنسان تواضعه، ويصون له إنسانيته. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في احتلال موقع، بل في الأثر الذي نتركه، وفي الطريقة التي نحيا بها ونحن في هذا الموقع، لا بعد أن نغادره.
لذلك، فإن أعظم ما يمكن للمرء أن يتعلمه في لحظات النجاح هو الثبات: ثبات العقل أمام الإغراء، وثبات الخلق أمام السلطة، وثبات القلب أمام الإعجاب. أن يظل الإنسان كما كان – أو أفضل – عندما تتغير الظروف من حوله. وأن يواصل السير، لا وهو ينظر إلى القمة متفاخرًا، بل وهو يتأمل الطريق متعلمًا، ومتيقنًا أن أعظم النجاحات هي تلك التي لا تُفسد صاحبها.
في النهاية، يبقى التواضع ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة وجودية. فبه نحيا بسلام داخلي، وبه نحافظ على توازننا حين تميل الكفة لصالحنا. وبه ندرك أن الحياة ليست سباقًا للوصول، بل رحلة للاعتدال، وأن الحكمة الحقة هي أن نمضي فيها بهدوء، شاكرين، واعين، ثابتين… حتى النهاية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق