إنَّ أشدَّ ما يُكابدُه المرءُ في مَسِيره ليس وَعثاءَ الطريق، بل تلك اللحظة التي تضيقُ فيها رِحابةُ الكون حتى تلتفَّ حول رُوحه كقيدٍ من حديد؛ لحظةٌ يتبدّلُ فيها مألوفُ العمر في رَفةِ جَفن، وتُطبقُ عليه الدنيا بأثقالِها، مصداقاً لقوله تعالى: **{وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}**. فلا يجدُ لسانُه مَجازاً للتعبير، ولا يملكُ قلبه إلا الصمتَ الممزوجَ بالرضا، والوقوفَ على أعتابِ الغيبِ وقفةَ المُسلّمِ الذي استسلمَ لِحكمةٍ لا يراها، ولتدبيرٍ لا يُدركه.
ليس الصبرُ مجردَ استكانةٍ باردة، بل هو قوةٌ إيمانية دافقة، وقد وصفه النبي ﷺ بقوله: **"والصبرُ ضِياء"**؛ فهو النور الذي يستضيء به العبد في ظلمات الحيرة. إنَّ أشقَّ ما يمرُّ على النفس هو ذلك "الصبرُ على المجهول"؛ حين ينقطعُ حبلُ الفهم عن إدراكِ مآلاتِ الأقدار، فيعيشُ المرءُ بين دعاءٍ رُفع ولم يُبصر النورَ بعد، وبين عُسرٍ ضيّقَ المَسالك، مستمسكاً بالوعد الحق: **{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}**.
هنا يتجلى جوهرُ الإيمان؛ إذ يغدو الصبرُ عبادةً مِحورُها الثبات، وقد قال ﷺ: **"إنما الصبرُ عند الصدمةِ الأولى"**؛ ليكون هذا الثباتُ هو الفارق بين الرضا بالسخط أو الرضا بالقضاء. فالإنسانُ في لحظةِ البلاءِ لا يُطالَبُ بفهمِ "لماذا"، بل بالاستجابة لنداء الله: **{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}**.
لقد شاءت الحكمةُ الإلهيةُ ألا يُنالَ عظيمُ الأجرِ إلا بعظيمِ المشقة، ولأنَّ الصبرَ يسلبُ من الإنسانِ راحتَه ويطالبُه بالرضا وهو في قمةِ الوجع؛ جعل الله جزاءه استثنائياً لا يمرُّ بموازين الحساب المعهودة، فقال عز وجل: **{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}**.
إنَّ هذا العطاء المنهمر هو الذي يفسر دهشة المؤمن من لُطف الله في طيات البلاء، وفي ذلك يقول النبي ﷺ: **"عجباً لأمرِ المؤمن، إنَّ أمرَه كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراءُ شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيراً له"**. فالبشارة الإلهية للصابرين ليست مجردَ تطمينٍ عابر، بل هي صكُّ أمانٍ أبديّ يمحو أثر الكدح والنصب، فما من شوكة يُشاكها المؤمن إلا كانت رِفعةً له وتكفيراً.
في ختامِ القول، يظلُّ الصبرُ هو المِعراجَ الذي ترتقي به النفسُ من ضيقِ المادةِ إلى سَعةِ اليقين. فمن ذاقَ مرارةَ الصبر، سيعرفُ حتماً حلاوةَ الجبر؛ فالله الذي استودعك هذا الألم، كفيلٌ بأن يُنسيك إياه في ليلةٍ واحدة تجيءُ ممتلئةً بالفرج.
طوبى لتلك القلوبِ التي وقفت في وجهِ العواصفِ شامخةً، تلبي نداء ربها بلسان الحال والمقال: **{قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}**.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق