مشكلتنا في هذه الأيام لا تكمن في نقص المعلومات، بل في فائض الآراء. فمع انتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، واتساع العالم المفتوح أمام الجميع، أصبح كل شخص يظن نفسه خبيرًا في كل شيء، ومتدخلًا في كل شأن؛ في السياسة، وفي شؤون الدولة، وفي الجيش والأمن، بل وحتى في الحروب ومساراتها ونتائجها.
لقد اختلطت الأدوار، وتلاشت الحدود بين الاختصاص والرأي العابر. فترى من لا علاقة له بالسياسة يخوض فيها بثقة، ومن لا دراية له بالاقتصاد ينصّب نفسه محللًا اقتصاديًا، ومن لم يعرف معنى الانضباط العسكري يتحدث عن الجيوش والحروب وكأنه في غرفة عمليات. وكأن الخبرة باتت مجرد حساب على منصة تواصل، أو مقطع فيديو، أو منشور عابر.
السياسة لها أهلها، والاقتصاد له مختصوه، والأمن له رجاله، والجيش له قيادته ومؤسساته. أما الحروب، فهي قضايا مصيرية لا تُدار بالعاطفة ولا بالشعارات ولا بالتحليلات السطحية. التدخل غير الواعي لا يصنع وعيًا، بل يضيف مزيدًا من الضجيج والتشويش.
المفارقة المؤلمة أن كثيرًا ممن يخوضون في هذه القضايا هم أشخاص يرزحون تحت أعباء الحياة اليومية؛ شاب متعب، فقير، لا يجد قوت يومه ولا أبسط متطلباته، ومع ذلك يستهلك وقته وجهده في الجدل حول قضايا لا يملك فيها تأثيرًا حقيقيًا، فلا يقدّم ولا يؤخر، لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الأمن.
في الماضي، حين لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي حاضرة بهذا الشكل الطاغي، لم يكن الناس على اطلاع دائم بكل ما يجري خلف الكواليس، ولم يكونوا أسرى الأخبار المتلاحقة والتحليلات المتناقضة. ورغم قسوة الظروف آنذاك، كانت النفوس أكثر هدوءًا، وكان الصبر أوفر، وكان الجدل أقل.
أما اليوم، فمنذ أن نستيقظ صباحًا وحتى نخلد إلى النوم، ونحن غارقون في سيل لا ينقطع من الآراء، والنقاشات، والتدخلات في كل شأن. فهل نحتاج فعلًا إلى مزيد من الكلام؟ أم أننا نحتاج إلى وعيٍ يفرّق بين حق الرأي وحدود الاختصاص؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق