*الحب في زمن الشكوك*
في عصرٍ تطغى فيه الموجات الرقمية، وتتكاثر الوصفات الجاهزة للعلاقات العاطفية كما تتكاثر الإعلانات التجارية، يبرز خطابٌ جديد يزعم كشف "الحقيقة العارية" عن طبيعة الحب بين الرجل والمرأة. خطابٌ يقدّم نفسه بثياب الواقعية تارةً، وبقناع الجرأة الفكرية تارةً أخرى، ليختزل أعمق المشاعر الإنسانية في معادلات باردة من المنفعة والمصلحة. ولعل أخطر ما يروج له هذا الخطاب ذلك الادعاء الذي يقسم البشرية شطرين: رجال وحدهم يمتلكون القدرة على الحب الخالص، ونساء لا يرين في الرجل إلا ما تقدّم له يداه من عطاء.
غير أن هذه النظرة، مهما تلبست بمسوح الواقعية أو ادّعت اكتشاف القوانين الخفية للعلاقات، إنما تكشف قبل كل شيء عن تصوّرٍ مختزلٍ للإنسان ذاته، وعن رؤيةٍ تفتقر إلى البصيرة الأخلاقية والعمق الإنساني.
الإنسان هو مشروعُ سموٍّ لا وعاءُ منفعة. والحب في جوهره الأسمى ليس عقدًا تجاريًا، ولا مقايضة ضمنية بين طرفين، ولا حتى توازنًا دقيقًا بين ما نعطي وما نأخذ. الحب قيمةٌ تتجاوز كل هذه الحسابات. ذلك أن الإنسان -في التصور الأخلاقي والديني- كائنٌ مزدوج: طينٌ يُرى، ونفخةٌ من روح الله لا تُرى. وإذا كان الجسد يطلب المنفعة، فإن الروح تتوق إلى معنى يتجاوز المنفعة.
لقد صاغ القرآن الكريم هذه الحقيقة الكونية في آية تتجاوز الوصف إلى التأسيس لرؤية متكاملة عن العلاقة بين الجنسين:
> "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الروم: 21).
تأمّل هذه المفردات الثلاث: السكن وهو الاطمئنان والاستقرار النفسي، والمودّة وهي الشعور المتدفق الذي يربط القلوب، والرحمة وهي الاستعداد الدائم للتسامح والعطاء حتى حين يضعف الحماس الأول. إنها لغة تختلف جذريًا عن لغة "المكسب والخسارة" و"العرض والطلب" التي تسوّقها بعض التيارات الفكرية المعاصرة.
مما يؤسف له أن كثيرًا ممّن يتبنّون الخطاب المادي في العلاقات يبنون تصوراتهم على تجارب شخصية محدودة، ربما كانت مرة أو قاسية. قد يلتقي المرء بعشرات أو مئات من الأشخاص في سياقات معينة -كعلاقات عابرة أو بيئات تفتقر إلى القيم- ثم يظن أنه اكتشف "قانون الطبيعة البشرية" الذي لا يقبل الاستثناء.
وهنا يكمن الخطر: في تحويل الجرح الخاص إلى نظرة كلية تعمم الشك وتقدس النظرة السلبية للآخر. إنها آفة "التعميم من الخاص" التي حذّر منها المفكرون والأخلاقيون عبر العصور.
فلو كانت العلاقات الإنسانية تقوم فقط على منطق المنفعة الضيقة، كيف لنا أن نفسر:
· تلك الزوجات اللواتي يلازمن أزواجهن في المرض والفقر والعجز؟
· أولئك الأزواج الذين يقفون كالجبال إلى جانب زوجاتهم في لحظات الضعف والهزيمة؟
· تلك الأسر التي تتماسك رغم الأعاصير، وتخرج من المحن أقوى مما كانت؟
إن هذه المشاهد اليومية الصامتة، التي لا تتصدر عناوين المنصات الرقمية، هي الدليل الأصدق على أن الحب الإنساني أعمق وأبقى من كل الحسابات المادية.
الحب ليس مجرد عاطفة تنبجس تلقائيًا في الصدور، ولا هو حالة طارئة يجد الإنسان نفسه فيها بغير اختيار. الحب قيمةٌ تُغرس وتُربى، وخلقٌ يُصقل ويُهذّب. وكما قال الإمام الغزالي رحمه الله: "الخلق هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية".
فإذا نشأ الإنسان في بيئة تعلمه الصدق والأمانة والوفاء، وتغرس فيه احترام الآخر ورؤيته إنسانًا كاملًا لا وسيلة لتحقيق غايات، صار قادرًا على بناء علاقات ناضجة تتجاوز منطق الأخذ والعطاء الحسابي.
أما حين يُربّى الإنسان على الشك الدائم، وتُغذّى نفسه بنظريات المؤامرة العاطفية، وصار الآخر في عينه خصمًا يتربص به أو مستغلًا يترقب فرصته، فإن العلاقة تتحول إلى ساحة معركة خفية لا إلى شراكة إنسانية. ومن هنا تبرز أهمية التربية الأخلاقية كأساس متين لعلاقات سليمة، فكما قال ابن القيم: "لو لم يكن في محبة الله ومحبة ما يحبه من النفوس المؤتلفة من منافع الدنيا والآخرة إلا أنها تذهب وحشة النفوس، وتزيل غربتها، وتجمع شتاتها، لكفى بها نعمة".
واذا نظرنا إلى الحب في المرآة الفلسفية نجده الغاية لا الأداة. فمنذ أرسطو وإلى اليوم، ظل الفلاسفة يميزون بين نوعين من العلاقات: علاقة نفعية ننظر فيها إلى الآخر كوسيلة لتحقيق غرضنا، وعلاقة أخلاقية ننظر فيها إلى الآخر كغاية في ذاته. والحب الأصيل هو الانتقال من الرؤية الأولى إلى الثانية.
إن الحب الحقيقي هو أن ترى في من تحب إنسانًا مستقلاً له قيمته الذاتية، لا مجرد مصدر لإشباع حاجاتك. وحينئذٍ لا تسأل فقط: "ماذا سأكسب من هذه العلاقة؟"، بل تسأل أيضًا: "كيف يمكن أن أكون سببًا في سعادة هذا الإنسان وخيره؟".
وهذا هو بالضبط ما يعنيه تحول الحب من علاقة استهلاك إلى مسؤولية أخلاقية. قال أحد العارفين: "المحبة أن تؤثر حبيبك على نفسك، وتقدم رضاه على رضاك، وتشتاق إلى لقائه ولا تمل من خدمته".
ان الخطاب الذي يختزل النساء في المصلحة والرجال في التضحية، وينظر إلى العلاقات بمنظار أسود قاتم، ليس إلا تعبيرًا عن تشاؤم معاصر يجد تربة خصبة في نفوس أنهكتها الخيبات. وهذا التشاؤم غالبًا ما يولد من رحم الجراح الشخصية، ثم يتحول إلى "فلسفة حياة" تُسقط على العالم كله سواد تلك الجراح.
لكن الحكمة الحقيقية -كما يراها المفكرون والأخلاقيون- لا تنشأ من الجراح وحدها، بل من القدرة على تجاوزها واستخلاص العبر منها دون أن تتحول إلى نظارة سوداء نرى بها كل شيء. فالمرء قد يُخدع في العلاقات مرة ومرات، وقد يلتقي بأشخاص لا يقدرون قيمة الحب، لكن ذلك لا يعني أن الحب نفسه مجرد وهم أو سراب.
كم من إنسان مر بخيبات عاطفية متعددة، ثم كتب الله له في النهاية علاقة ملؤها السكن والمودة والرحمة. وكم من إنسان أخطأ في حق غيره، ثم صحح مساره وتعلم من أخطائه.
لعل السؤال الأعمق الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: "هل الرجال وحدهم قادرون على الحب الحقيقي؟" ولا "هل النساء يحببن الرجل لذاته أم لما يقدمه؟".
بل السؤال الأجدر باهتمامنا هو: "هل نحن نربي أنفسنا على أن نكون أهلًا للحب؟"
إن الحب الحقيقي ليس شعارًا رومانسيًا نردده في مناسباته، ولا خدعة اجتماعية تلبس ثياب العواطف، ولا صفقة نربح فيها أو نخسر. الحب قيمة إنسانية وروحية كبرى، قد يضعف أحيانًا تحت ضغط المصالح والأنانية، لكنه يظل أحد أعظم القوى التي تحفظ تماسك الأسرة، وتصون المجتمع، وتعمر الأرض.
فحين يسمو الإنسان بأخلاقه، ويرتقي بنظرته إلى الآخر، يصبح الحب في حياته عطاءً لا صفقة، ورحمةً لا مصلحة، ورسالة سامية لا مجرد علاقة عابرة. وهنا يتحقق المعنى العميق لقوله تعالى: "وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً"، فهي آية من آيات الله في هذا الكون، تذكرنا بأن الحب حين يكون أصيلًا، يكون أقوى من كل التشوهات والانحرافات التي تلصق به.
وختامًا، ما أحوجنا في زمن الشكوك والنظريات المادية أن نعود بالحب إلى جوهره الإنساني، وأن ننظر إلى العلاقات بين الرجل والمرأة كشراكة وجودية لا كساحة صراع، وكمسؤولية أخلاقية لا كمقايضة نفعية. عندها فقط نستحق أن نكون أهلًا لهذا الشعور الرباني الذي جعله الله سكناً للنفوس ورحمة للقلوب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق