في عُمْقِ الحِكْمَةِ الإلهية: حِوارُ العَبْدِ وَرَبِّ العَالَمِينَ
إنَّ الدُّعَاءَ نَفَحَةٌ روحيَّةٌ تَخْترقُ حُجُبَ الأرْضِ، وتَصْعَدُ كَعِطْرِ اليَقينِ إلى السَمَاءِ، فَيَلْتقِي خُشُوعُ العَبْدِ بِعَظَمَةِ الرَّبِّ. قَالَ اللهُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فَجَعَلَ الدُّعَاءَ جِسْرًا بَيْنَ ضَعْفِ الإنْسَانِ وَقُدْرَةِ الخَالِقِ، وَوَعْدًا إلٰهِيًّا يَنْطِقُ بِسِرِّ الرَّحْمَةِ: لَنْ تَخْرُجَ كَلِمَتُكَ صَوْتًا فِي الفَضَاءِ، بَلْ سَتَكُونُ حَضْوَةً فِي مَلَإِ السَّمَاءِ.
لٰكِنَّ سِرَّ الِاسْتِجَابَةِ يَخْتَلِفُ عَنْ سُطُورِ الرَّغْبَةِ.. فَالبَشَرُ يَرْفَعُونَ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ طَالِبِينَ مَا تَهْوَى أنْفُسُهُمْ، وَاللهُ يَنْزِلُ الحِكْمَةَ المُلْكَوتِيَّةَ لِيَمْنَحَهُمْ مَا تَحْتَاجُ أَرْوَاحُهُمْ. هُنَاكَ فِي مَعْمَلِ القَدَرِ، حَيْثُ تَتَلاقَى المَشِيئَةُ الإنسَانِيَّةُ مَعَ العِلْمِ الأزَلِيِّ، تُصَنَّعُ الأجْوِبَةُ عَلَى مِقْدَارِ الخَيْرِ لَا عَلَى مِقْدَارِ الهَوَى. فَالكَرِيمُ يَمْنَعُ لِيُعْطِيَ، وَيُؤَخِّرُ لِيُعَجِّلَ، وَيَصْرِفُ عَنْكَ سَهْمَ المَضَرَّةِ قَبْلَ أنْ تَدْرِيَ أنَّهُ كَانَ سَهْمًا.
لَيْسَ الحِرْمَانُ إلَّا إحْسَانًا مُقَنَّعًا، وَلَيْسَ الصَّمْتُ إلَّا لُغَةً أخْرَى لِلبَلَاغِ. فَإذَا أُغْلِقَ بَابٌ اتَّسَعَ أفُقٌ، وَإذَا حَارَ بِكَ المَسِيرُ فَاعْلَمْ أنَّ التَّدْبِيرَ لَيْسَ لَكَ. هٰكَذَا يَتجلَّى مَشْهُودُ الرَّحْمَنِ: يُعْطِي بِلا حَدٍّ، ويَمْنَعُ بِلا عَدٍّ، لِيُذَكِّرَكَ أنَّ الحَاجَةَ لَيْسَتْ إلَى مَا تَرْغَبُ، بَلْ إلَى مَا تَصِيرُ بِهِ إلَيْهِ.
فَالدُّعَاءُ مِصْبَاحُ القَلْبِ، وَالِاسْتِجَابَةُ حِكْمَةُ الرَّحْمٰنِ. فَلا تَضِقْ صَدْرًا إذَا تَأخَّرَ الجَوَابُ، فَقَدْ يَكُونُ الحِرْصُ عَلَى تَرْبِيَةِ الشَّوْقِ أَعْظَمَ مِنْ تَسْرِيعِ العَطَاءِ. وَاعْلَمْ أنَّ مَا تَرَاهُ «مَنْعًا» هُوَ فِي حَقِيقَةِ الغَيْبِ «عَطِيَّةٌ».. تَسْتَتِمُّ بِهَا حِكْمَةُ الَّذِي يَعْلَمُ مَا فِي البَرْزَخِ وَمَا فِي المِيزَانِ.
لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ: لَيْسَ عَطَاؤُهُ تَسْيِيرًا لِهَوَاكَ، بَلْ تَسْدِيدًا. فَاخْضَعْ لِحِكْمَتِهِ؛ فَالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ قَادِرٌ أنْ يَخْلُقَ لَكَ مِنَ اليَأْسِ أمَلًا، وَمِنَ الضِّيقِ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ مَا تُدِيرُهُ الأيَّامُ.. جَمَالًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق