ليس كل صبرٍ فضيلة، ولا كل احتمالٍ مَلمحًا من مَلامح القوة. فهناك بين ثنايا الحياة، أناسٌ يولدون بقلوبٍ تحمل أجنحةً ومقاساتها أكبر من أجسادهم. يتعلّمون، منذ بواكر العمر، أن يكونوا السند الدائم، الحائط الذي لا يُخيّم عليه ظلّ، والعمود الذي لا يميل — حتى حين يكون الميلان ضرورةً إنسانية، وحكمةً وجودية.
ومع مرور الأيام، ينسَلُّ العطاء من بين أصابعهم كالنهر الهادئ الذي يروي الأراضي ولا يذوق ثمارها. لا يعود العطاء خيارًا واعيًا، بل يصير نمطَ حياةٍ مقدسًا لا يُسأل عن ثمنه. الحضور يصير واجبًا، والصمت يصير فنًّا، والاحتواء شرطًا غير مكتوبٍ لبقاء العالم من حولهم — وكأنهم بذلك يحملون قبة السماء على أكتافهم، مُعتقدين أنهم إن هم أراحوها، ستنكسر.
وفي هذا المسار اللامتناهي، لا يُدرك المرء أن العطاء المُفرط لا يستنزف الجهد وحسب، بل يسرق منه إحساسه بذاته، شيئًا فشيء، حتى يدخل في حالة من "التلاشي الهادئ" — كما تُذاب قطعة سكر في كوب شاي لا يشربه أحد.
يقول جبران خليل جبران: "أعطي لكي أفيض على الحياة من حولي، لا لأُفرغ من نفسي". لكن هؤلاء، وهم يمنحون دون حساب، يتركون آثار أقدامهم تُمحى واحدة تلو الأخرى. كل تنازل، وكل تحمّل، وكل تأجيلٍ لراحة النفس — يرسّخ في اللاشعور فكرة أن الذات يمكن أن تنتظر، وأنها آخرُ من يجب أن يُؤبه له. لا يأتي الإهمالُ كالسيل الجارف، بل كقطرات المطر التي تتسلّل عبر السقف، حتى تفاجأ بأن كل شيء من حولك قد ابتلّ من الداخل، وأنك تجلس في بركة من صبرك أنت.
ثم تأتي تلك المرحلة المُربِكة، حين يستيقظ المرء في صباح ما، فيجد إرهاقًا لا جذر له، وحزنًا لا حدث يُعلّله، وفراغًا كنسيم خريفيّ لا تملؤه الأصوات ولا الأشياء. لا لأن المرء ضعيف، ولا لأنه يبتغي شفقة، بل لأنه أعطى طويلًا من ينبوع لم يعد يسأله أحد: "هل بقي فيه ماء؟".
واللافت أن من يحمل الأعباء الكبرى نادرًا ما ينهار أمام الملأ. انكساره من النوع الذي وصفته فيرجينيا وولف بقولها: "بعض الأصوات لا تُسمع إلا في الصمت". فهو انكسار صامت، يظهر في فقدان البوصلة الداخلية، وفي العجز عن تسمية الأحاسيس، وكأن اللغة نفسها قد هجرته.
ربما حان الوقت لإعادة تعريف القوة. فالقوة ليست قدرتك على حمل العالم، بل شجاعتك في أن تضعه قليلاً على الأرض لتلتقط أنفاسك. ليست القوة في التحمل الأعمى، بل في التمييز بين ما يجب أن تتحمّله، وما يجب أن ترفضه. ووضع بعض الحمل ليس اعترافًا بالهشاشة، بل هو ممارسة واعية لحماية النور الداخلي من أن ينطفئ.
في زمن يُقدّس الاستنزاف ويرفع شعار "تحمّل أكثر لتفوز بأكثر"، يصبح الاعتناء بالنفس موقفًا أخلاقيًا، بل وثورةً هادئة. والخطوة الأولى نحو الاتزان ليست في البحث عن صبر أعمق، بل في أن تسمح لنفسك، بهدوء، بأن تضع بعض ما على كتفيك، وتلتفت إلى الخلف لترى الطريق الذي مشيته — وتقرر، بلُطف، أيّ الأثقال ستواصل حمله، وأيّها ستبقيها هناك حيث استرحت قليلاً.
فكما أن النهر الذي يعطي دون توقف قد يجفّ ذات يوم، فإن القلب الذي يعطي دون أن يملأ نفسه سيصير صحراء. ولعلّ أجمل أنواع القوة هو أن تعطي دون أن تذوب، وأن تحبّ دون أن تضيع، وأن تصبر دون أن تتحوّل صبْرُك إلى قبرٍ لروحك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق